السيد عبد الأعلى السبزواري
35
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً . بيان لحال طائفة أخرى زائفة ، وهم المنافقون الّذين يتظاهرون بالإيمان ويبطنون الكفر والعناد وتهديد لهم . وتبيّن الآية الكريمة وجه النفاق فيهم والوصف الّذي جعلهم من المنافقين . والبشارة مأخوذة من البشرة ، أي : انبساط بشرة الوجه وطلاقته إذا اخبر الإنسان بما يسرّه ، كما أنّ السرور مأخوذ من انبساط أساريره ، وغالب استعمالهما في الأخبار بما يسرّ ، وقد يستعملان في غيره تهكّما كما في المقام ، ففي الكلام استعارة تهكّمية استعملت فيها ( بشّر ) موضع ( أنذر ) تهكّما بهم . وعن الفرّاء إذا ثقّل ( بشّر ) فمن البشرى ، وإذا خفّف ( بشر ) فمن السرور . وفي حديث عبد اللّه بن مسعود : « من أحبّ القرآن فليبشر » ، أي : فليفرح وليسرّ ، وهو كناية عن خلوص الإيمان . وقيل : إنّ البشارة تستعمل فيما يسرّ ويسوء استعمالا حقيقيّا ، فلا استعارة حينئذ ؛ لأنّ أصلها الإخبار بما يظهر أثره في بشرة الوجه ، سواء كان انبساطا أو انقباضا . وكيف كان ، ففي الآية الكريمة تهديد للمنافقين بأنّ لهم عذابا شديد الألم . قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . تعليل لاتّصافهم بصفة النفاق واستحقاقهم للعذاب الأليم ، أي : أنّ المنافقين هم الّذين يتّخذون الكافرين المعاندين أولياء يحبّونهم ويقتدون بهم ، تاركين ولاية المؤمنين الّذين أمر اللّه تعالى بموالاتهم والدخول في جماعتهم واتخاذ سبيلهم . والنفاق له مراتب كثيرة قد بيّنها عزّ وجلّ في كتابه الكريم في مواضع متعدّدة ، وبعضها أشدّ من الكفر ، ولقد كان خطره على الإسلام كبيرا وشديدا . وابتلى المؤمنون بالمنافقين من صدر الإسلام ، وفي المقام يبيّن عزّ وجلّ مرتبة من تلك المراتب وهي موالاة الكافرين أعداء الدين والانقطاع عن جماعة المؤمنين ، وقد كانت مثل هذه الطائفة الّتي كانت تتصل بالكافرين باطنا موجودة